حكم بيع العربون في المعاملات التجارية
في حكم بيع العربون
السؤال:
شيخنا أحسن الله إليكم، ما حكم البيع بالعربون؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فصورة البيع بالعربون: أَنْ يشتريَ الرَّجلُ سلعةً بحيث يدفع للبائع مبلغًا مِنَ المال في المجلس ـ يبيِّن به حُسْنَ نيَّته في الشراء ـ على أنه إذا نَفَذ البيعُ بينهما كان ذلك المبلغُ المدفوع داخِلًا في ثمن السلعة (أي: يمثِّل نسبةً مِنَ المبلغ الإجماليِّ)، وإِنْ لم ينفذ تَرَك المشتري ذلك المالَ للبائع ولا يطالبه به؛ هذا وقد اختلف العلماءُ في جوازِ هذه الصفقةِ على قولين:
ـ القول الأوَّل: أنَّ بيع العربون غيرُ جائزٍ، وبه قال جمهور العلماء، وهو قول الإمام مالكٍ والشافعيِّ وأصحابِ الرأي وأبي الخطَّاب مِنَ الحنابلة، ويُرْوى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما والحسن ـ رحمه الله ـ(١)، واستدلُّوا على تحريمه بحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ»(٢)، والحديثُ ورَد مِنْ طُرُقٍ يقوِّي بعضُها بعضًا، ففي الحديث دلالةٌ واضحةٌ على تحريم العُربان، والعلَّةُ في النهي عنه: اشتمالُه على الغرر والشرطِ الفاسد وأكلِ أموال الناس بالباطل؛ فإنَّ المشتريَ لم يأخذ شيئًا في مُقابِلِ ما دَفَع، وبذلك يكون البائع قد أخَذ ما لا يستحقُّ، أي: أنَّ شرط كونِ ما دَفَعه إليه يكون مجَّانًا إِنِ اختار تَرْكَ السلعة شرطٌ فاسدٌ، ولأنَّ حديث عمرو بنِ شعيبٍ قد تضمَّن الحظر، وهو أرجحُ مِنَ الإباحة كما تقرَّر في الأصول(٣).
القول الثاني: أنَّ بيع العربون جائزٌ، وبه قال أحمد وابنُ سيرين وسعيد بنُ المسيِّب ـ رحمهم الله ـ، وهو مرويٌّ عن عمر بنِ الخطَّاب وابنه رضي الله عنهما.
والذي يظهر لي أنَّ بيع العُربان جائزٌ للأدلَّة التالية:
ـ ولأنَّ الأصل في البيوع وسائرِ المكاسب والمنافعِ الحِلُّ والإباحة، ولا يُعدَلُ عن هذا الأصلِ حتَّى يأتيَ دليلُ الحرمة، ودليلُ الحرمة لا يصحُّ سندُه ـ كما تقدَّم ـ ولا يُعوَّل عليه في الأحكام.
ـ ولأنه مذهب الصحابة، فقَدِ «اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةِ دِينَارٍ»(٦)، وكُلُّهم صحابيٌّ رضي الله عنهم، كما أجازه ابنُ عمر رضي الله عنهما(٧) ـ أيضًا ـ.
ـ ولأنَّ بيع العربون تضمَّن التعهُّد بتعويض البائع عن تضرُّره بالتعطُّل والانتظار؛ الأمرُ الذي قد يفوِّت عليه ـ بسبب هذه الصفقةِ ـ صفقاتٍ أخرى، شأنُه في ذلك كتفويت فُرَصِ الزواج على المرأة المطلَّقة قبل البناء؛ فإنها تستحقُّ نصفَ المهر إِنْ فَرَض لها مهرًا أو المتعةَ إِنْ لم يفرض لها شيئًا، تعويضًا عن ضرر التعطُّل والتفويت.
هذا، وإِنْ كان الراجح ـ عندي ـ صحَّةَ بيع العربون وجوازَه إلَّا أنه يَحْسُنُ بالبائع ردُّ العربون إذا عَدَل المشتري عن البيع، مِنْ بابِ حُسْن التعامل الأخلاقيِّ، بما يكفل تعزيزَ الأخوَّة الإيمانية؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»(٨).
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
فتوى للشيخ فركوس
http://ferkous.com/home/?q=fatwa-1201
ليست هناك تعليقات